السيد كمال الحيدري
366
كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي)
فإذا لم يشبع السالك ، بل لا يزال جائعاً ، مات الموت الأبيض ، فحينئذ تحيا فطنته ؛ لأنّ البطنة تُميت الفطنة ، فمن ماتت بطنته حييت فطنته . وثالثها : الموت الأخضر ، وهو لبس المرقّع من الخرق الملقاة ، التي لا قيمة لها ، فإذا قنع من اللِّباس الجميل بذلك ، واقتصر على ما يستر عورته ، ويصحّ فيه الصلاة ، فقد مات الموت الأخضر ؛ لاخضرار عيشه بالقناعة ، ونضارة وجهه بنضرة الجمال الذاتي الذي حيي السالك به ، واستغنى عن التجمّل العارضي ، كما قيل : إذا المرء لم يدنس من اللّوم عرضُه * فكلّ رداء يرتديه جميل ورابعها : الموت الأسود ، وهو احتمال الأذى من الخلق ، لأنّه إذا لم يجد في نفسه حرجاً من أذاهم ولم تتألّم نفسه ، بل يتلذّ به لكونه يراه من المحبوب ، كما قيل : أجد الملامة في هواك لذيذة * حبّاً لذكرك فليلمني اللوَّمُ فقد مات الموت الأسود ، وهو الفناء في الله ، لشهوده الأذى منه فناء الأفعال في فعل محبوبه ، . . . » « 1 » . والموت هذا هو الذي دلّل عليه النبيّ ( ص ) : موتوا قبل أن تموتوا . وما أروع ما قاله شاعر المحبّة الإلهيّة ابن الفارض في هذا الموت « 2 » : هو الحبّ فاسلم بالحشا ما الهوى سهل * فما اختاره مضنى به ، وله عقلُ « 3 » وعش خالياً ، فالحبّ راحته عناً * وأوّله سقم ، وآخره قتلُ
--> ( 1 ) شرح الأسماء ، شرح دعاء الجوشن الكبير ، للحكيم المتألّه : المولى هادي السبزواري ، تحقيق : الدكتور نجفقلي حبيبي ، نشر : جامعة طهران ، 1993 م : ص 430 - 432 . ( 2 ) ديوان ابن الفارض ، شرحه وقدّم له : مهدي محمّد ناصر الدِّين ، دار الكتب العلميّة ، بيروت - لبنان ، الطبعة الثالثة : 1423 ه - : ص 162 . ( 3 ) هذا الذي اختار هذا المستوى من العلاقة مع الله وسيلته القلب لا العقل الذي يعدّه وسيلة ينتهي دورها حين الشروع في هذا المستوى من العلاقة .